علي بن أحمد المهائمي
19
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
أن الموجود هو الحق سبحانه ، وأن كل ما سواه فهو باطل ، فهذا رجل فني ما سوى الحق في نظره ، وفنيت أيضا نفسه عن نظره ، ولم يبق في نظره وجود غير اللّه ، فقال في ذلك الوقت أنا الحق ، كأن الحق سبحانه أجرى هذه الكلمة على لسانه حال فنائه بالكلية من نفسه ، واستغراقه في نور جلال اللّه تعالى ، ثم نقل عن الغزالي في سبب غلبة جريان اسم الحق على لسان الصوفية : إنهم في مقام المكاشفة ، ومن كان في مقام المكاشفة رأى اللّه حقّا وغيره باطلا ، وأما المتكلمون فهم من مقام الاستدلال بغير اللّه على وجود اللّه ، فلا جرم كان الغالب على ألسنتهم اسم الباري تعالى . ثم قال في تفسير اسمه الولي : وعندي أنّ قرب اللّه من العبد أعظم مما دلت عليه ظواهر هذه الآيات ، وبيانه أن ماهيات الممكنات لا تصير موصوفة بالوجود إلا بتوسط إيجاد الصانع ، فعلى هذا : هذه الماهيات اتصلت بإيجاد الصانع أولا ، ثم بواسطة ذلك الإيجاد حصل لها الوجود ، فقربها من إيجاد الصانع أشد من قربها من وجودها ، بل هاهنا ما هو أدق منه ؛ وذلك لأنه ظهر عندنا أن الماهيات إنما تكون في كونها ماهيات وحقائق بتكوين الصانع وإيجاده ، فيكون إيجاد الصانع لتلك الماهيات مقدما على تحقق تلك الماهيات ، فيكون قرب الصانع منها أتم من قربها من نفسها ، وأقول : الدليلان إنما يدلان على قربها من الإيجاد ، الذي هو نسبة غير موجودة ، لا من ذات الموجد سبحانه ؛ لكن قربه سبحانه من الأشياء ليس كقرب الأشياء بعضها من بعض بالزمان أو المكان أو الرتبة ، بل هو قرب لا يدركه العقل بطريق الفكر ؛ ما لم يتنور بالنور المقدس . ثم إن الدليل الثاني لو تم ، فإنما يتم في الماهيات الموجودة ، لا فيها من حيث هي قابلة للوجود والعدم ونفس الماهية هناك ، فكيف يكون قرب الصانع أتم من قربها من نفسها بل من وجودها في الموجودية ؟ وقد ذكر في الأول ، فافهم . ثم قال في تفسير الواحد الأحد ، بعد إعادة نكتة ذكرها في : « هو واعلم أن مقام التوحيد مقام يضيق النطق عنه ؛ لأنك إذا أخبرت عنه فهناك مخبر عنه ومخبر به ومجموعهما ، فهو ثلاثة لا واحدة ، فالعقل يعرف ولكن النطق لا يصل إليه . -
--> وأطال في ذلك . [ مختصر الفتوحات المكية ] .